فخر الدين الرازي
339
المطالب العالية من العلم الإلهي
النوع الخامس عشر للقوم قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ، وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ « 1 » ووجه الاستدلال : إنه تعالى احتج عليهم بالتمكن والإقدار ، والعمر الطويل ، والمهلة في أوقات التكليف ، وإزاحة الأعذار ببعثة الرسل . فلو كان الإيمان والتذكر موقوفين على خلق اللّه ، لكان لهم أن يقولوا : آلهتنا قد فعلت فينا الكفر ، والعدول عن طاعتك ، وكنا عاجزين عن دفع ما خلقت ، ولم تخلق فينا الإيمان . ولو خلقت الإيمان فينا لكنا مؤمنين بك . قالوا : فكيف يعقل أن يحتج اللّه سبحانه عليهم بما لا حجة له فيه ، مع أنه قال : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ « 2 » ؟ وليس لهم أن يقولوا : المناظرة مع اللّه لا تجوز . لأن هذا الكلام قد سبق جوابه . والجواب : إن كل ذلك مشكل عليهم ، بما أن حصول الفعل موقوف على خلق [ القدرة و « 3 » ] الداعي وذلك يوجب الجبر ، ويشكل أيضا . بما أن خلاف معلوم اللّه محال الوقوع .
--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية : 37 . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية : 149 . ( 3 ) زيادة .